رفُّ عصامي | سبق

رفُّ عصامي | سبق

المقال يستخدم قصة رمزية لفتاة تتسلق درجًا بحثًا عن “رف علوي” يطمئن قلبها، لتوضيح أن السقوط في رحلة الصعود لا يعني العودة إلى الصفر، لأن التجربة والمعرفة تبقى رصيدًا داخليًا لا يسقط مع الجسد. يربط الكاتب بين الشخصية العصامية والقيادة التكيفية، مبينًا أن القائد أو العصامي الناجح ليس من لا يتعثر، بل من…

كانت تتسلق درج المنزل درجةً بعد أخرى ، لم تكن تبحث عن شيءٍ مادي بقدر ما كانت تبحث عن ذلك الرف العلوي الذي اعتادت أن تجد فيه ما يطمئن قلبها ويغذي عقلها ويعيد ترتيب أحلامها ، كان الصعود متعبًا، لكنه مألوف، وكانت تعرف أن ما ينتظرها في الأعلى يستحق العناء.
لكنها سقطت ، وفي لحظة السقوط شعرت وكأنها عادت إلى نقطة البداية، وكأن كل ما صعدته تبخر في ثانية واحدة ، خُيّل إليها أنها فقدت وعيها، وأن العالم يدور من حولها، بينما الحقيقة كانت مختلفة؛ لم تفقد وعيها، بل ازدادت وعيًا بحقيقة الطريق.

هذا المشهد يتكرر في حياة الكثير من الشخصيات العصامية ، فالعصامي لا يولد وفي يده مفاتيح النجاح، بل يصنع سلّمه بنفسه، ويجمع درجاته من التجارب والمحاولات والإخفاقات ، لكنه حين يتعثر تكون الصدمة عليه أشد؛ لأنه يتذكر حجم الجهد الذي بذله للوصول إلى تلك المرحلة ، ومن أكبر الأوهام التي نقع فيها أن السقوط يعني العودة إلى الصفر. والحقيقة أن الإنسان لا يعود إلى الصفر ما دام قد تعلم. فالخبرة التي اكتسبها في رحلة الصعود الأولى لا تسقط معه، بل تبقى رصيدًا خفيًا يحمله وإن لم يشعر بذلك ، الشخصية العصامية غالبًا ما تمتلك إرادة الاستمرار، لكنها في بعض المراحل تستثقل النهوض ، ليس لأنها فقدت الرغبة، بل لأنها تدرك حجم الألم الذي يرافق المحاولة الجديدة ، تمامًا كمن يحاول التمسك بحزام الدرج بعد سقوطه؛ يرى وسيلة النجاة أمامه، لكنه يحتاج إلى لحظة يستعيد فيها توازنه قبل أن يقبض عليها من جديد.

وهنا تتجلى إحدى أهم مبادئ القيادة التكيفية ، فهذه المنهجية القيادية لا تفترض أن القائد معصوم من التعثر، بل تؤمن بأن البيئة المتغيرة والأزمات والضغوط جزء من الرحلة ، والقائد الناجح ليس من يتجنب السقوط دائمًا، بل من يتعلم كيف يتكيف معه ويحوّله إلى مصدر معرفة وخبرة ، فالقيادة التكيفية تدعو إلى التوقف لفهم ما حدث، لا للبكاء على ما حدث ، تدعو إلى قراءة الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون ، وتدعو إلى البحث عن الحلول الجديدة عندما تثبت الأدوات القديمة عدم كفايتها ، ولهذا فإن الشخصية العصامية والقيادة التكيفية تلتقيان في نقطة جوهرية: كلاهما يؤمن أن الطريق ليس مستقيمًا ، فهناك درجات نصعدها، وأخرى نتعثر فيها، لكن الاتجاه العام يبقى نحو الأعلى.

في حياتنا المهنية والشخصية نلتقي بأشخاص سقطوا في مشروع، أو وظيفة، أو تجربة قيادية، ثم ظنوا أن الرحلة انتهت ، بينما الحقيقة أن السقوط كان مجرد فصل من القصة لا نهايتها. فالرف الذي كانوا يسعون إليه ما زال في مكانه، والمعرفة التي اكتسبوها ما زالت معهم، والدرج نفسه لم يختفِ ، ربما يكون الفرق الوحيد أن الصعود القادم سيكون أكثر وعيًا وأقل اندفاعًا ، ولعل أجمل ما في الشخصية العصامية أنها قد تتألم، وقد تتوقف قليلًا، وقد تجلس على إحدى درجات السلم لتلتقط أنفاسها، لكنها نادرًا ما تتخلى عن فكرة الوصول ، لأنها تعلم أن النجاح ليس عدم السقوط، بل القدرة على النهوض كلما ظن الآخرون أن السقوط كان النهاية.

فالرف العصامي لا يُبنى في الأعلى فقط، بل يُبنى في كل مرة يقرر فيها صاحبه أن يمسك بحزام الدرج من جديد، وأن يضع قدمه على الدرجة التالية رغم الخوف، وأن يؤمن بأن ما تعلمه في رحلته السابقة سيكون عونًا له في رحلته القادمة ، فكل سقوط يضيف إلى شخصيته طبقة من النضج، وكل نهوض يمنحه معنى أعمق للنجاح ، وفي النهاية، ليس المهم كم مرة تعثرنا، بل كم مرة اخترنا أن نواصل الصعود ، لأن الرف الحقيقي ليس ذلك الذي نصل إليه في أعلى الدرج، بل ذلك الذي نبنيه داخل أنفسنا من المعرفة والخبرة والإصرار، رفٌّ عصامي يظل ثابتًا مهما اهتزت بنا الطرق.