كيف انقدنا إلى معاهدة الحماية؟

كيف انقدنا إلى معاهدة الحماية؟

“التاريخ هو الماضي الحاضر” (عبد الله العروي)

أميل إلى الاعتقاد بأن كتاب “تطوان وجوارها خلال عقود قبل الحماية” للدكتور عبد العزيز سعود هو واحد من المؤلفات التي يمكن اعتبارها إبداع مؤرخ، وليس مجرد توثيق غايته وصف أحوال تطوان وجوارها قبل الحماية كما قد يبدو للناظر؛ فالكاتب اختار هذه الفترة بالذات؛ أي ما قبل القرن العشرين باعتباره قرن التصادم المباشر مع رهانات العصرنة والتحديث، وضرورة الحسم مع التقاليد المجتمعية.

في هذا الكتاب وصف، ولكنه يتعدى سرد الحوادث إلى صناعتها؛ ما ينتهي بالضرورة إلى الأمثلة والمقايسة بين الماضي والحاضر، وهذا مهم جدا. فالسياق قد يبدو ظاهريا مختلفا ما بين الراهن وما قبل القرن العشرين، ولكن أصل الداء باق: ممانعة التحديث وصعوبة تحقيقه بالكامل على جميع الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهذا هو إشكال الكتاب الحقيقي: مفهوم المجتمع المغربي المعاصر وسبل ترهينه على أرض الواقع. هل يصرح الباحث بذلك علانية في كتابه؟ لا، فهذا متروك لذكاء المتلقي.

يحدد صاحب الكتاب أحوال هذه الحاضرة ونواحيها قبل الحماية عبر رصد ثلاثة جوانب كبرى:

الأول اقتصادي: فلاحة معاشية تقليدية توزعت بين الحبوب والأشجار والخضر وتربية المواشي بهدف الاستهلاك المحلي، لكن مع ثروة غابوية مهمة. وصناعة تتوزع بين حرف تؤمن الحاجات اليومية وأخرى للتصدير: صناعات الجلود والفخار والخشب وحتى السلاح. وتبقى التجارة مصدر الدخل الأهم، إذ ازدهرت بعد وقوع سبتة وطنجة في الاحتلال، حيث بقيت تطوان المنفذ الوحيد على البحر، لكنها ستعرف ركودا في القرن التاسع عشر بفعل المعاهدات المجحفة في حق المغرب.

الجانب الثاني اجتماعي: وانطلق الباحث من ضرورة ربط الاقتصاد والمجتمع بالوضع الديموغرافي والإثني، إذ كان للأوبئة انعكاس خطير على المستوى الديموغرافي لتطوان وجوارها، فلم تتجاوز نسبة النمو طيلة النصف الأول من القرن التاسع عشر 25% مقابل 400% مثلا في الجديدة. أما أهل البلد فهم: أصليون من حوز تطوان ثم انضاف إليهم الأندلسيون المجددون لبناء تطاون حيث استقطبوا هؤلاء الأصليين بعد ممانعة. وهنالك أيضا من ينعتون بالغرباء من جزائريين وعلوج، ثم يهود، وقلة قليلة من الأوروبيين. لذلك ظل المجتمع قائما على التراتبية: أعيان وشرفاء، علماء وتجار، ثم عامة الرعية؛ صحيح ميزها التكافل الاجتماعي والتآزر العقائدي، لكن في احترام تام للتراتبية الاجتماعية. أما اليهود كأقلية فظل لهم مجتمعهم الخاص في الملاح. أما عن علاقة التطوانيين بقبائل الجوار فلم تخل دوما من مناوشات، لكن علاقة المدينة بالمخزن ظلت في تماسك قائم على الأخذ والعطاء.

الجانب الثالث سياسي: تطرق فيه الباحث إلى طبيعة المخزن المحلي الذي كان قويا ثم بدأ يفقد سلطاته بالتدريج، خصوصا بعد تبعات حرب تطوان الشهيرة في سنة 1860. ومن أهم مظاهره، تحول تطوان إلى مركز للقناصل الأجانب بعد عجز البلاد عن أداء الغرامة المفروضة عليها. وهنا بدأ تطاول المحميين وازدادت غطرستهم وتحديهم للمخزن.

هذه عصارة ما تطرق إليه الكتاب، ولكن ما الخلاصات التي يمكن تركيبها من كل هذه المعطيات التي تؤطر صورة عامة عن وضع تطوان وجوارها ما قبل معاهدة الحماية:

1. ما يسميه كارل ماركس وسائل الإنتاج التقليدية في الفلاحة والصناعة وعدم مواكبتها للثورة العلمية لذلك الوقت، هي ما قاد المجتمع التطواني والمغربي إلى اقتصاد الندرة الذي كان من سماته الاحتكار والريع، ما انتهى إلى ركود اقتصادي ثم إلى إفلاس.

2. تعمق هذا الوضع أكثر بفعل تدهور أحوال التعليم آنذاك، إذ لم تظهر المدارس النظامية الحديثة إلا بعد معاهدة الحماية بعقدين.

3. عدم وجود إصلاح سياسي من خلال تكريس البنى التقليدية نفسها للمخزن التي كانت تقوم على وحدة السلط التشريعية والقضائية والتنفيذية، وتركيزها في جهاز واحد ساهم في تقلص سلطات الدولة المركزية وإضعافها، وليس العكس، خصوصا مع شلل اقتصادي بفعل نمط الإنتاج التقليدي، ما جعل البلاد مطية سهلة أمام الأوروبيين. وتطوان كانت المدخل والمقدمة.

4. تقلص سلطات المخزن أدى إلى انتشار السيبة في جوار تطوان واللصوصية وإغارة القبائل على المدينة في بعض الأحيان، بل وحتى عصيان قبائل الجوار.

5. الصراع على السلطة، المعروف بالصراع العزيزي-الحفيظي، ساهم في تضعضع البنى السياسية، ما دفع بعض التجار إلى التواطؤ مع الأجنبي لحماية مصالحهم الخاصة.

كل ذلك سيقود المغرب إلى التوقيع على معاهدة الجزيرة الخضراء؛ لأن هنالك علاقة وطيدة بين تماثل التنظيمات الاجتماعية والتمظهرات الاقتصادية والسياسية من جهة، وقضية انهيار أو صعود الدول من جهة ثانية. التقاعس عن التحديث بفعل الخضوع لآراء تقليدية في الدين، أو بعبارة أصح انعدام إصلاح ديني كان السبب في الركود والانهيار الذي انتهت إليه تطوان وجوارها كما باقي مناطق البلاد في نهاية القرن التاسع عشر، خصوصا مع استحالة القدرة على ولوج عصر الليبرالية التي كانت بدأت لتوها في أوروبا الإصلاحية. لذا فمعاهدة الحماية كانت نتاجا حتميا لمثل هذه الظروف والوضعيات التي تطرق إليها الكتاب بتفصيل.

ومن هنا وجب النظر في هذه القاعدة مهما اختلف السياق الزمني. قام المجتمع التقليدي على الوحدة، ولا تنشأ المعاصرة إلا من خلال الانفصال. بتعبير بيار مانان: “فصل الدين عن الدولة والأخلاق عن القيم والتشريع عن القضاء والعلم والفن عن المؤسسة”.

شكرا لأستاذنا الجليل على هذا المنتج القيم الذي ينضاف إلى رصيد هائل حول تاريخ تطوان في كل العصور أنجزه أستاذنا على مدار عقود: منذ إعادة تأسيس المدينة على يد الموريسكيين حتى القرن العشرين، آملين أن تبادر إحدى الجهات الراعية بجمع هذا الرصيد في أعمال كاملة مرتبة وموزعة حسب سياقها الزمني لتكون خير عون للباحثين والقراء بوجه عام.

كانت هذه تفاصيل كيف انقدنا إلى معاهدة الحماية؟ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

علما بأن المقال الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على موقع وقد قام فريق التحرير في ميديا 24 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.