الأربعاء 25/01/2017 م (آخر تحديث) الساعة 14:30:00 (بتوقيت غزة)، 11:30:00 (غرينتش)

تنـــــــــــــــــــــــاحة !!

أخر تحديث: 17:49:00 - الاثنين , 19 أكتوبر, 2015

  شارك الخبر

  اضف تعليق (0)

  تصغير الخط

  إرسال إلى صديق

  طباعة

بقلم : محمد يوسف الوحيدي  

التناحة ، لها اشكال عديدة في كافة المجالات ، و هي على ما يبدو ، صفة ، تجتاح جيل كامل في الوطن العربي ، أو لنقل ، صفة حقبة زمنية تجتاح مشرقنا بشكل غريب و سريع .. و من مظاهرها مثلا ، أن تسال أي مواطن عربي في أي بلد ، سؤال بسيط جدا : ماذا تريد  ؟

فتجد علامات ألم ، و معاناة و كأن وجعاً بدأ يتسرب إلى مصرانه الأعور ، وحبات عرق تعتصر جبينه و كفيه ، و من ثم و فجأة ، تجده يبتسم إبتسامة عريضة بلهاء و " يهرش" في عدة أماكن ، تختلف بإختلاف النوع و الجنس !! وما تلبث الإبتسامة إلى أن تتحول إلى وجه متقد و عيون محدقة ، تشع ثورية و عنفوان ،و يفنفخ و يتحفز فتظن أنه سنطلق بإجابة حارقة خارقة .. فيهبط ، و يضمر ، و تنتهي " الظاهرة" بحالة سكون و ملل ، حينها إما أن يتركك و يذهب دو إجابة ، و إما أن يقول : " مش عارف !" ، علماً بأنك ستجد الإجابة موحدة بين النساء و الرجال في معظم أنحاء وطننا العربي .. يعني ، أيضا الأنثى ستجيب " مش عارف ! " و هنا ستتعرف على أولى ملامح ، التناحة الضاربة في " نخاشيش " و دواخل ، أمتنا العربية ، و متغلغلة إلى عقلنا الجمعي بشكل جارف ، أوصلنا إلى درجة ، أننا حتى لا نعرف الفرق بين الرجل و المرأة في تصريفات اللغة ، سواء العربية الكلاسيكية ، أو حتى الدارجة ..

وقد راى كثير ممن أستشرتهم عن تعريفهم للتناحة ، بأنها هي التركيز الشديد مع عدم الفهم ... بينما راى أخرون أنها  كلمه شائعه عند العرب حديثا الذين يشعرون بالتركيز واستنزاف القوى ولكن من دون فهم .. و أعجبني تعريف آخر وجدته على إحدى صفحات التواصل ، يقول : التناحه هيِ ان تستيقظ من النوم ناسياً مخك فوق المخَدة لتحظىَ بيوم خارج عن المألوف .

بينما إجتهد آخر ، و قال أن  التعريف اللغوي يكون .. تَنحَ ..يَتنَح .. تنْحياً من التنحي عن الشي ..... بمعنى ان اجزاء من العقل تتنحى علن وظائفها و تترك مهمتها في الفكير و التدبير ، فتنشغل خلايا المخ المسؤله عن الجهاز الهضمي مثلا ، بتصريف شئون الوعي السياسي ، و خلايا المخ المسئولة عن الوظائف الغريزية  إلى الإطلاع بشئون الثقافة و العلم بينما " تتنحي" الأجزاء الأخرى و تتبلد ، و تضمر ، إلى أن تندثر ، فينتهي الأمر إلى شخص ( تِنِح )  ..

و يلاحظ هذا ليس فقط عند مجموعة جغرافية ، معينة ، فمثلا ، لو سالت أخا أو أختا من سورية ، من مع من ضد من و أين أنت من ما يحدث في سورية ، و لماذا الإخوان أفضل من الأسديين ، و لماذا أمريكا أفضل من روسيا ، لوجدته يجيبك بنفس الطريقة السابقة ، علامات ألم في المصران الأعور ، تنتهي بأنه إما يتركك أو يقول لك ( مش عارف !!) ، و لو سألت مصرياً عن سبب مقاطعته للإنتخابات البرلمانية الحالية .. ستجد نفس الرد .. و لو سألت يمنياً ، ليبياً ،عراقياً تونسياً ، ماذا و كيف و لماذا .. ستجد نفس الإجابة .. و ما يهمني هنا .. هو حال الفلسطيني  ، و مدى إصابته بفيروس " التناحة " ..وإلى أين وصلت حالته ؟  بسؤال بعض الخبراء ، أفادوا  بأن الأعراض ظاهرة أكثر في المناطق الجنوبية عنها في المناطق الشمالية ، حيث تفعل الأفاعيل ، و تقوم الدنيا و لا تقعد ، فحالات  الإستنزاف و الإستغباء في أعلى درجاتها ، و تجد إجابة " مش عارف !" ظاهرة عادية و متداولة بشكل يومي و على مدار الساعة في جميع الإتجاهات و على كل و أي نوع من المواضيع ،  بل إن بعض المراقبين و المحللين ، ذهبوا إلى أبعد من ذلك ، فرأوا أن الإشكال عندما يكون الحاكم  و المحكوم من ( التِنحين) ، بمعنى أن يتحكم فيك مجموعة مصابة بالتنــــاحة ، و تتصرف بتناحة ..

الجديد ، ان صفة التناحة ، اصبحت مؤهلاً معتمداً و يعتد به ، ويذكر في السيرة الذاتية لأي شخص ، و هو أحد أهم عوامل القبول للعمل خاصة في المنظمات الدولية و المجتمع المدني .. فهو مفيد جداً في نقل العدوى ، و ثانيا ، يدلل أنك اساساً لا تعرف ماذا تفعل أو لماذا تفعل ، فكثير من أبناء شعبنا الفلسطيني مثلاً لايريد أن تستمر حماس في حكم غزة و في ذات الوقت لا يريد للسطلة الوطنية ولا فتح و لا منظمة التحرير أن تعود ، و لا يريد أن يعود الإحتلال الإسرائيلي، و بعد ساعة لو سألته عن رايه لبدل و غير ، و في النهاية سيقول ( مش عارف!) .. و في الضفة الغربية ، لو سألت الناس عن ماذا يريدون ، إنتفاضة حجارة أم إنتفاضة مسلحة ن و هل يريدون حرباً على غرار الحرب الخمسينية التي ضربت غزة و أدت إلى إنتصار ( تناحة) ؟ أم أنهم يريدون إنتفاضةً شعبيةً سلميةً ،فتح أم حماس أم اليسار أم منظمات اليروبيع و حموم الإنسان ،أم عودة الأردن ، أم عودة الإحتلال ... ستجد ذات الإجابة ( مش عارف ! ) .. إنه زمن التنــــــــــاحة .. زمن التخبط ، الشعب العربي يَلطُم ..ويشق ثوبه، يرضخ  و يرفض ، يضحك و يبكي بهيستيريا ، تائه في صحراء لا أول و لا آخر لها ..  تارة يضع اللوم على الحكام ، و تارة على الشعب ، و تارة على التدخل الخارجي و الإستعمار و المؤامرات الكونية ، و الجن و العفاريت .. إنه حصاد أكثر من أربعين عاما من تجريف و كي الوعي و الثقافة ، و قلع جذور الإنتماء للهوية و الوطن ، بفعل تيارات زعمت أنها دينية ، و تيارات زعمت أنها وطنية .

 إنها حصاد الكوارث الثلاث التي ألمت بهذه الأمة :  سايكس / بيكو ، بلفور/ هرتزل ، و السادات / كيسينجر.

ولن نتخلص من تناحتنا،إلا إذا إعترفنا اولاً بإصابتنا بها .. و من ثم علاج آثارها بدءاً من آخر عواملها ، وصولا إلى نسف سايكس / بيكو.

المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

أعلن معنا

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي 24media وإنما تعبر عن رأي أصحابها

أ. محمد الوحيدي

محمد الوحيدي كاتب وسياسي فلسطيني

صفحة الكاتب

لحظة سكب حمم بركانية على الجليد

أعلن معنا